السيد كمال الحيدري

359

كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)

المشايخ أكثرُ وأشدُّ من حرارةِ الشبّان ، وإنّما لم يظهرْ أثرُها فيهم لقلّةِ الحامل وذبول المادّةِ ، عكسَ ما هو المشهورُ من أنّ حرارتَهم أقلُّ من حرارةِ الشبّان ، وكذا منشأُ عروض الموتِ الطبيعيِّ غلبةُ الحرارةِ بالذات الموجبةُ لإفناءِ الرطوبةِ المؤدّي إلى فناءِ الحرارةِ عن البدن بالعرض ، فيقع الموتُ ضرورةً ، فعروضُ الموت الطبيعيِّ من باب الضرورات اللّازمةِ لبعض الغاياتِ الذاتيّةِ كما علمتَ في مباحث أقسام العلّةِ ، والغايةُ الذاتيّةُ هاهنا قوّةُ النفس وكمالُها ، واشتدادُ جوهر الروح ، وقوّةُ نفخ الصُّور ، التي نظيرُها في مثال السفينةِ شدّةُ الريح العاصفةِ عليها . ثمّ لا يخفى عليك أنّ أحوالَ سكّانِ هذه السفينةِ عند هذه العاصفةِ الشديدةِ لا تخلو عن أمرين : فإن كان مَنْ فيها عارفينَ بموجب التقدير الربّانيِّ اطمأنّتْ نفوسُهم ، وسلّموا إلى ربِّهم قبلَ أن ينكشفَ الغطاءُ ، وارتحلوا من الدُّنيا ، ووعظَ بعضُهم بعضاً بالصبر وقلّةِ الجزع ، وشوقِ الارتحال إلى دار المعادِ ، فإذا تمَّ لهم العلمُ بهذه السياسةِ القدريّةِ والحكمةِ القضائيّةِ ، والعملُ بموجب العقلِ والإيمان ، فقد استراحوا من الغمِّ والحزن ، ووصلوا إلى النعيم الدائمِ . وإن كانوا غير عارفينَ بموجب التقديرِ الإلهيِّ وأنّ كلَّ ما يفعلُه الحكيمُ خيرٌ وصوابٌ ، ولا مستمعين لحديث الانقيادِ والتسليم ، فجزاؤهُم الجحيمُ والحرمانُ من النعيم ، والبُعدُ عن رضوان اللهِ العليم الحكيم .